أحمد بن محمد ابن عربشاه
416
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
قال الأسد : فهل اطلعت على ما يوجب ذلك ، أو يدل على الإلقاء في المهالك ، وتضييق المسالك من حركات أفعالى أو من فلتات أقوالي ، أو تقلبات أحوالي ، أو نقل إليك ناقل من جاهل أو عاقل ، فأفحم الجمل عن الجواب ، وأطرق فلم ينطق بخطإ أو صواب . فقال الغراب : لا ينجيك الا الصدق ، وكشف أستار الريب عن جبين الحق ، وكان حاضر هذه الفحوى خلد أعمى ، وهم عنه غافلون وعن استماعه ذاهلون ، ففي الحال توجه إلى الدب وقال : صورة ما جرى بتخيير المشترى ، فعلم الدب أنه افتضح وأمره اتضح ، فنهض وما قعد ودخل على الأسد ، فرأى الجمل مطرقا لا يلوك منطقا ، فمد صولجان اللسان وخطف كرة البيان ، وسابق بالكلام خوفا من الملام . وقال بلسان طلق كلام فاجر مختلق : اعلم أيها الطويل الأبلم ، أنك لو أمسكت عن كلامك القبيح في وقتك الفسيح ، لكان أصوب ، وأحسن وأعجب ، لكن لما فهت بالعبر وأتيت بإحدى الكبر وصادمت القضاء والقدر ، وخنت ولى نعمتك وقصدت إهلاك الملك ، بقبح شيمتك ، أزال الله سترك وأبدى أمرك وفضحك وقبحك ، وبلجام الخزي كبحك ، لا جرم جرمك حبسك وإثمك العظيم أخرسك . فأبهت الضرغام من هذا الكلام ، وشاب الغراب من هذا الأمر المشاب ، ووقعوا في الاضطراب والشك والارتياب ، واشتبه الخطأ بالصواب وقالوا : إن هذا لشيء عجاب ، فقال الجمل للدب : يا فقيد اللب يا قليل النّصفة ، وعديم المعرفة ، وأنحس أفّاك وأنجس سفاك ، وأبخس بتاك « 1 » ، أتظنني خائفا من كلامك وخطابك ، عاجزا من ملامك وجوابك ، أما كفى أنى قصدت ستر
--> ( 1 ) بتاك : صيغة مبالغة من بتك بمعنى قطع ، والمراد بالبتاك : الذي يوقع الفتن بين الأصحاب فيقطعهم .